محمد بن جرير الطبري

10

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول تعالى ذكره لهؤلاء المؤمنين الذين نهاهم أن يحرموا طيبات ما أحل الله لهم : كلوا أيها المؤمنون من رزق الله الذي رزقكم وأحله لكم حلالا طيبا . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً يعني : ما أحل الله لهم من الطعام . وأما قوله : وَاتَّقُوا اللَّهَ فإنه يقول : وخافوا أيها المؤمنون أن تعتدوا في حدوده ، فتحلوا ما حرم عليكم وتحرموا ما أحل لكم ، واحذروه في ذلك أن تخالفوه فينزل بكم سخطه ، أو تستوجبوا به عقوبته . يقول : الذي أنتم بوحدانيته مقرون وبربوبيته مصدقون . القول في تأويل قوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يقول تعالى ذكره للذين كانوا حرموا على أنفسهم الطيبات من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا حرموا ذلك بأيمان حلفوا بها ، فنهاهم عن تحريمها ، وقال لهم : لا يؤاخذكم ربكم باللغو في أيمانكم . كما : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قال : لما نزلت : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ في القوم الذين كانوا حرموا النساء واللحم على أنفسهم ، قالوا : يا رسول الله ، كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ فأنزل الله تعالى ذكره : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ الآية . فهذا يدل على ما قلنا من أن القوم كانوا حرموا على أنفسهم بأيمان حلفوا بها ، فنزلت هذه الآية بسببهم . واختلفت القراء في قراءة ذلك ، فقراته عامة قراء الحجاز وبعض البصريين : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ بتشديد القاف ، بمعنى : وكدتم الأيمان ورددتموها ؛ وقراء الكوفيين : " بما عقدتم الأيمان " بتخفيف القاف ، بمعنى : أوجبتموها على أنفسكم ، وعزمت عليها قلوبكم . وأولى القراءتين بالصواب في ذلك قراءة من قرأ بتخفيف القاف ، وذلك أن العرب لا تكاد تستعمل فعلت في الكلام ، إلا فيما يكون فيه تردد مرة بعد مرة ، مثل قولهم : شددت على فلان في كذا إذا كرر عليه الشد مرة بعد أخرى ، فإذا أرادوا الخبر عن فعل مرة واحدة قيل : شددت عليه بالتخفيف . وقد أجمع الجميع لا خلاف بينهم أن اليمين التي تجب بالحنث فيها الكفارة تلزم بالحنث في حلف مرة واحدة وإن لم يكررها الحالف مرات ، وكان معلوما بذلك أن الله مؤاخذ الحالف العاقد قلبه على حلفه وإن لم يكرره ولم يردده ؛ وإذا كان ذلك كذلك لم يكن لتشديد القاف من عقدتم وجه مفهوم . فتأويل الكلام إذن : لا يؤاخذكم الله أيها المؤمنون من أيمانكم بما لغوتم فيه ، ولكن يؤاخذكم بما أوجبتموه على أنفسكم منها وعقدت عليه قلوبكم . وقد بينا اليمين التي هي لغو والتي الله مؤاخذ العبد بها ، والتي فيها الحنث والتي لا حنث فيها ، فيما مضى من كتابنا هذا فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع . وأما قوله : بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فإن هنادا : حدثنا قال : ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ قال : بما تعمدتم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن الحسن : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ يقول : ما تعمدت فيه المأثم ، فعليك فيه الكفارة . القول في تأويل قوله تعالى . فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ اختلف أهل التأويل في الهاء التي في قوله : فَكَفَّارَتُهُ على ما هي عائدة ، ومن ذكر ما ؟ فقال بعضهم : هي عائدة على " ما " التي في قوله : بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن عدي ، عن الحسن في هذه الآية : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قال : هو أن تحلف على الشيء وأنت يخيل إليك أنه كما حلفت وليس كذلك ، فلا يؤاخذكم الله ، فلا كفارة ، ولكن المؤاخذة والكفارة فيما حلفت عليه على علم . حدثنا ابن حميد ، وابن وكيع ، قالا : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مغيرة ، عن الشعبي ، قال : اللغو